عباس حسن

461

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

الإفراد والتذكير وفروعهما ؛ ( والأغلب أن تكون صيغته ملازمة الإفراد والتذكير ، فإن كانت كذلك في أصلها لم يجز تثنيتها ، ولا جمعها ، ولا تأنيثها ، ولا إخراجها عن وزنها الأول ) « 1 » . . . تقول : رأيت في المحكمة قاضيا عدلا ، وشهودا صدقا ، ونظاما رضا ، وجموعا زورا « 2 » بين المتقاضين . . . تريد : قاضيا عادلا - وشهودا صادقين ، ونظاما مرضيّا ، وجموعا زائرة بين المتقاضين . . . فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق ، ويصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت ، ثم حذف وحلّ المصدر محله ، وأعرب نعتا مكانه . والأصل : قاضيا صاحب عدل - شهودا أصحاب صدق - نظاما داعى رضا - جموعا أصحاب زور ، ( أي : أصحاب زيارة ) ، والداعي للنعت بالمصدر مباشرة وترك المشتق ، أو المضاف المحذوف على الوجه السالف - أن النعت بالمصدر أبلغ وأقوى ؛ لما فيه من جعل المنعوت هو النعت . أي : هو نفس المعنى ؛ مبالغة . وقد اختلف رأى النحاة في وقوع المصدر نعتا ؛ أقياسىّ هو أم مقصور على السماع ؟ وأكثرهم يميل إلى قصره على السماع ، مع اعترافهم بكثرته في الكلام العربي الفصيح « 3 » ، وأنه أبلغ في أداء الغرض من المشتق « 4 » . وهذا الاعتراف

--> ( 1 ) إلا في حالات أشهرها أن يكون المصدر مسموعا بالتأنيث أصلا ؛ نحو : رحمة - شفقة - فإن تاء التأنيث ملازمة لهما . أو أن يشيع الوصف بالمصدر ، ويشتهر استعماله نعتا ، فيجوز تثنيته وجمعه قياسا ؛ لغلبة الوصف عليه كقول الشاعر : وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن * شهود على ليلى ، عدول مقانع المفرد : عدل ، بمعنى : عادل . ( 2 ) الزور هنا : الزيارة . ( 3 ) وفي مقدمته القرآن الكريم - ولا سيما سورة الجن - ومما ورد في غيرها كلمة : « بور » ، بمعنى « هلاك » في قوله تعالى : ( وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) أي : هلاكا ، بمعنى : هالكين وهو في أصله مصدر يوصف به المفرد ، والمثنى والجمع ، والمؤنث ، والمذكر مع تأويله في كل ذلك بالمشتق ( اسم الفاعل . . . ) وقيل إنه جمع : « بائر » ؛ مثل : « حائل وحول » فيكون على هذا مشتقا لا مصدرا مؤولا بالمشتق . أما في سورة الجن فقد جاء النعت بالمصدر في قوله تعالى : ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . . . ) أي عجيبا - وكلمة ؛ « عجب » مصدر - وفي قوله تعالى : ( ماءً غَدَقاً . . ) أي كثيرا وفي كلمة : « صعدا » بمعنى صعود في قوله تعالى : ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً . ) والصّعد : هو الصعود بمعنى : المشقة ، وجاء كذلك في قوله تعالى : في إخوة يوسف : « وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ . . . » . ( 4 ) فقد قرر علماء البلاغة أن النعت بالمصدر يكون من باب : المبالغة ، أو : من مجاز -